محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
99
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
فبالنسبة للمؤمن الذي يفترضه القرآن ، فإن الإيمان ليس مرتبطا ببراهين ملموسة أو محسوسة ، براهين مذهلة تحصل فورا على رؤوس الأشهاد ، وإنما بالقرار الأعظم الذي لا يعلمه إلّا اللّه . إنه مرتبط بالأمل وبالرغبة الحارقة لملاقاته ( أي ملاقاة المؤمن للّه ) . وبالتالي فيكفي إذن استقبال الكلام الأعظم الذي ينفخ هذا الأمل أو يضخّمه ، ثم يشعل تلك الرغبة الحارقة ويبشّر بالقرار الأمثل الملائم لكي يؤمن الإنسان . ولكن البراهين المطلوبة من قبل « الكفّار » لم تهمل من قبل هذا الخطاب اللغوي الجديد ، أي القرآن . فقد قام محمد بسفرة ليلية ، أي بالإسراء . تقول الآية القرآنية : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ سورة الإسراء ، الآية 1 ] . وقد تلقى الكتاب السماوي عن طريق « كائن ذي قوة عظيمة » ، كما لم يكن ضالا أبدا . يقول القرآن بالحرف الواحد : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى . ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ سورة النجم ، الآيات : 1 - 5 ] . بدءا من تلك اللحظة راح مفهوم « الكفّار » يتحوّل ويتغيّر : فلم يعد الأمر يتعلق بأولئك الذين يطالبون ببراهين مشروعة لكي يصدّقوا ، وإنما بأولئك الذين يظلّون معاندين حتى بعد أن تقدّم لهم البراهين الكافية . إن الترتيب الزمني للآيات القرآنية كان سيتيح لنا - لو عرفناه بدقة - أن نتتبع تطوّر معنى هذا المفهوم : « الكفّار » ، والمفهوم المرافق له : « المؤمنون » . ولو حصل ذلك لنتج عنه استخدام لاهوتي أقلّ تبسيطية وأكثر تاريخية . إن إمكانية تجديد الفكر اللاهوتي في الإسلام سوف تتبدّى لنا أكثر عندما ندرس صيغة التعبير ونمط الفكر المستخدمين في القرآن لكي يفرض على سامعيه المعاصرين له صحته الإلهية . طريقة معيّنة في التعبير : لا نزال بحاجة إلى بلورة تيبولوجيا للخطاب القرآني . والمقصود بالتيبولوجيا هنا الكشف عن أنماط الأساليب المختلفة التي يستخدمها هذا الخطاب « * » . وهذا مبحث صعب يستحق أن يدرس بذاته ولذاته ، وليس بشكل عرضي ، أو على هامش مبحث كمبحثنا الهادف أساسا إلى شيء آخر . ينبغي الكشف عن أنماط الأساليب التعبيرية ( أو اللغوية ) المستخدمة في القرآن من أجل بلورة إشكالية مشتركة تنطبق على دراسة جميع مجتمعات الكتاب المقدس . وبالتالي ، فأرجو من القارئ أن يعتبر الملاحظات التالية مجرد ملاحظات مؤقتة « 1 » ليس إلّا .
--> * كلمة تيبولوجيا Typologie : مشتقة من كلمة Type ، أي نوع أو نموذج ، وبالتالي فهي تعني علم الأنواع أو النماذج . والقرآن يستخدم عدة أساليب لغوية . وبالتالي ، ينبغي أن يقوم أحد الباحثين بدراسة مختلف أنواع الأساليب المستخدمة في القرآن . ( 1 ) انظر بحثنا : « هل نستطيع أن نتحدث عن العجيب المدهش أو الساحر الخلّاب في القرآن ؟ » ، وهو منشور في كتابنا : قراءات في القرآن : ( ( ؟ Coran le dans merveilleux de parler Peut - on ) ) : M . Arkoun . 87 . p ، . op . cit ، Coran du Lectures : In